ابن عربي

178

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

الحميد يقول : اعلم أن الناس في الدنيا على أبواب ملوكهم طبقات ، فمنهم الخواص المقرّبون ، والخدم المنتخبون ، والأمناء الثقات ، والكبراء السادات ، والتجار الطالبون للأرباح ، والفقراء أصحاب الصدقات . فأحسن أحوالك أن تنزل نفسك منزلة الفقراء والسؤال لا مقام ذي الصلة والنوال ، كم يدعون فلا يجيبون ، ويرغبون فلا يرغبون ؟ فما لكم لا تكونون كما قال اللّه تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ، وأشرف الذكر ذكر القلب ، لأنه موضع نظر اللّه عز وجل من العبد . وقال بعضهم يوبخ نفسه : أما تستحي من اللّه ، كم يكون منك الخطا ومنه العطا ، كم يكون منك الجفا ومنه الوفا ؟ هلّا كان منك التوبة فيكون منه القبول ؟ يا نفس ، كم تعصيه ويستر عليك وتتمادى في الذنب ويمهلك ؟ أما تخشي عقابه ؟ أما تستحي من عتابه ؟ أخاف عليك إن لم تنته عن قبيح فعلك ليصبنّ عليك سخطه ، وليحرقنك بنار غضبه ، هذا قلبك في فلوات المعاصي ضائع ، وسرك في الأعمال القبيحة رائع ، فبادري بالتوبة والإقلاع ، والندم والاسترجاع ، فكأنك وقد كشف القناع ، ولا تغترّي بالحياة الدنيا فما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع . وأنشدني محمد بن عبد الواحد لبعضهم : أنت سترى كيف أهتكه * ذا طريق لست أسلكه أملك الدنيا بأجمعها * وفؤادي لست أملكه قال بعض العارفين : للعارفين أربع علامات : ذكر المنة ، وصدق الهمة ، وعرفان الحرمة ، وخوف الفرقة . وقال بعض الصالحين : من علامات العارف أن ينظر إلى الدنيا بعين الاعتبار ، وإلى الآخرة بعين الانتظار ، وإلى النفس بعين الاحتقار ، وإلى الطاعة بعين الاعتذار لا بعين الاستكبار ، وإلى المغفرة بعين الاستبشار ، وإلى المعروف سبحانه وتعالى بعين الافتخار . حدثنا يونس بن يحيى ، ثنا ابن البطيء ، عن ابن شادان ، عن أحمد بن إسحاق ، عن أحمد بن محمود ، عن الحسن بن عبد العزيز المخزومي ، أنا أبو حفص القيسي ، عن أبي معبد ، قال : سمعت بلال بن سعيد يقول : كان أخوان في بني إسرائيل خرجا يتعبدان ، فلما أرادت الطريق تفرق بينهما قال أحدهما لصاحبه : خذ أنت في هذه الطريق ، وأنا في هذه الطريق ، فإذا كان رأس السنة اجتمعنا في ذلك الموضع ، فلما اجتمعا قال أحدهما لصاحبه : أي ذنب فيما عملت أعظم ؟ قال : بينما أنا أمشي على الطريق إذا بسنبلة فأخذتها